|
الأحد الذي يتبع أحد الإبن الشاطر يُعرف بأحد مرفع اللحم لأنه بعده يبدأ المؤمن بالإمتناع عن تناول اللحوم. و عليه ان يفهم هذا الإمتناع استناداً على ما قيل عن التهياة و معناها. ابتدأت الكنيسة الآن أن تأقلمنا للمجهود الكبير الذي تنتظره منّا و الذي سيبدأ بعد سبعة ايام؛ تقودنا ببطئ إليه لأنها تعرف ضعفنا الروحي.
مساء يوم أحد مرفع اللحم تدعونا الكنيسة لإقامة ذكرى جامعة لكل الذين انتقلوا على رجاء القيامة و الحياة الأبدية. انه اليوم الأهم للكنيسة الذي فيه نصلي لكل النفوس المنتقلة . و لكي نفهم المعنى الذي يجمع الصوم و الصلاة للأموات، علينا أن نتذكر بأن المسيحية هي ديانة محبة. لم يترك المسيح مع تلاميذه تعليماً عن خلاصٍ شخصي، و لكن " وصية أن تحبوا بعضكم بعضاً". ثم أضاف :" بهذا سيعرف الجميع بأنكم تلاميذي، إذا أحببتم بعضكم بعضاً". المحبة إذاً هي أساس، لا بل حياة الكنيسة، التي هي حسب تعليم القديس اغناطيوس الإنطاكي "وحدة الإيمان و المحبة " . الخطيئة دائماً هي غياب المحبة، و عليه انفصال، ابتعاد، حرب ضد كل شيء. ان الحياة الجديدة المعطاة من المسيح و التي تعلمنا إياها الكنيسة، هي قبل أيّ شيء آخر حياة تصالح، و جمع المتفرقين بوحدة، و احياء المحبة التي شوّهتها الخطيئة. لكن كيف يمكن لانفسنا أن تبدأ بالعودة الى الله، و تصالحنا معه، ان لم نعد داخل أنفسنا اولا الى وصيته الأساسية و الفريدة، وصية المحبة؟ الصلاة للأموات هي تعبير أساسي للكنيسة كونها محبة. نطلب الى الله أن يتذكر الذين نصلي من أجلهم لأننا نحبهم. الصلاة لهم هو اجتماع معهم " بالمسيح " الذي هو محبة، و الذي كونه محبة يطئ الموت الذي هو النصر المبين للإنفصال و اللامحبة. ليس هناك من فرق في المسيح بين حيّ و ميت لأن الكل أحياء فيه. انه هو الحياة و الحياة هي نور الإنسان. محبتنا للمسيح تعني محبتنا لكل المتحدين به؛ و محبة المتحدين به يعني محبتنا للمسيح. هذا هو قانون الكنيسة و سبب الصلاة للأموات. انها محبتنا بالمسيح هي التي تبقيهم أحياء، لأنها تبقيهم " في المسيح" . هنا نختبر شطط الذين لا يؤمنون بالصلاة للأموات. إن الصلاة للأموات خلال أحد مرفع اللحم ، يخدم كَمَثَل لكل الذكرانيات التي نقيمها للمنتقلين خلال السبت الثاني و الثالث و الرابع للصوم. اما موضوع أحد مرفع اللحم فهو أيضاً المحبة. و الإنجيل الذي يقرأ على مسامعنا هو مثل " إنجيل الدينونة الأخيرة" من ( متى 52: ) .64 13 عندما يأتي المسيح ليدين العالم، ما هو المقياس الذي سيستعمله ؟ يجيب المثل على السؤال ب " المحبة ". المحبة لا تعني اهتماماً إنسانياً لعدل نظري و لفقراء مجهولين، و لكن محبة شخصية و محددة للشخص، لأي شخص، خلقه الله و وضعه في طريقي لأجتمع به. هذا التوضيح والتمييز ضروريان لأن الكثيرين من المسيحيين في أيامنا يمزجون المحبة المسيحية بالسياسة، بالإقتصاد، و بالإهتمامات الإجتماعية. بكلام آخر يتحولون بمحبتهم من الشخص الفريد، و قََدَرِهِ الفريد الى شخصية غير معروفة، و الى الجنس ، و الطبقة الإجتماعية و غيرهما. انا لا أقول بأن الإهتمام بهذه الأمور سيئ. إن المسيحي مدعو في عمله، مهنته ،... أن يهتم بالآخرين بكل ما أُعطي من قوة و إمكانيات لخلق مجتمع متساوٍ و عادل. كل هذه الأمور تنبت من المسيحية و المحبة هي التي توجههم. و لكن المحبة التي أعنيها ههنا تختلف عن تلك المحبة. هذا الفرق و لكي يُفهم و يُحفظ على الكنيسة أن تحافظ على رسالتها الفريدة و ان لا تتحول الى مجرد مؤسسسة اجتماعية خيرية. المحبة المسيحية هي إمكانية غير الممكن " رؤية المسيح في الشخص الآخر، و لا فرق في من هو ذاك الآخر، ذاك الآخر هو من وضعه الله بحكمة في طريقي، في حياتي، ليس لبرهة أو مناسبة معينة و آنية، بل كبداية رفقة بالله نفسه. لأنه في العمق، هل يمكن أن تكون المحبة إلا تلك القوة السرية التي بها يرتفع الوقتي و الخارجي في " الآخر" الى ما فوق الإجتماعي و الآني، و الجنس ، و اللون و ...أي الله نفسه ؟ " فإذا كان الله يحب كل فرد، فلأنه وحده دون سواه، يعرف أهمية " النفس " و " الشخص" . المحبة المسيحية اذاً هي اشتراك بالمعرفة الإلهية و موهبة المحبة الإلهية. ليس هناك من محبة " لا شخصية" لأن المحبة هي ذاك الإكتشاف الجميل " للشخص في الإنسان" . انه اكتشاف ما هو محبب في كل فرد و الذي أعطيه من الله. -2- من هذا المنطلق، يمكن للمحبة المسيحية أن تكون في حالات معينة معاكسة " للعمل الإجتماعي الخيري" الذي يمزجه اليوم البعض بالمسيحية . فإن موضوع المحبة بالنسبة للعامل الإجتماعي ، ليس الشخص و لكن الإنسان. للمسيحية ، الإنسان " محبب" ، لأنه شخص. اما في الحالة الثانية فإن الشخص يتحول الى إنسان؛ ههنا يُنظر الى الإنسان كأنه شخص. العامل الإجتماعي لا يهمه امر الشخص الذي و بكل سهولة يقدمه محرقة على مذبح " المنفعة العامة " . المسيحية تنظر الى تلك الحالة بعين الشك و ترتكب خطيئة مميتة في كل مرة تتنازل عن اهتمامها بالشخص. العمل الإجتماعي دائماً مستقبلي؛ يعمل دائماً باسم العدالة، النظام، السعادة المستقبلية، و الممكن تحقيقها. الكنيسة المسيحية تعطي القليل من الإهتمام لتلك النظرية و تصوّب كل انتباهها على " الآن "، الوقت الذي يجب أن نحب فيه. الطريقتان ليستا وحيدتين، و كليهما مسؤولتين عن عالمنا، و عليهما أن يعملا من أجله. المحبة المسيحية، من الجهة الثانية، تصبوا الى ما بعد هذا العالم. إنها شعاع ، ظهور لملكوت الله، تعلو و تتغلب على كل المخدوديات، كل شروط هذا العالم، لأن محركها و هدفها و كمالها هم في الله. و يعرف واحدنا بانه حتى في عالمنا المسيطر عليه الشرير، فان النصر الأخير و الوحيد هو للمحبة. هنا تتّضح لنا رسالة الكنيسة: لتذكر الإنسان بمحبته الشخصية و دعواته، و لملأ عالم الخطيئة بالمحبة. إن مََثل " الدينونة الأخيرة" هو مََثَل المحبة . ليس كل منا مدعو للعمل من أجل " الإنسانية " و لكن كل منا قد أعطي موهبة و نعمة محبة المسيح... و نعرف بان كل إنسان يحتاج الى هذه المحبة الشخصية، و نعترف بأن كل واحد قد أعطي روحاً فريدة فيها ينعكس جمال الخليقة كلها بطريقة فريدة. كما نعرف أيضاً بان الإنسان سجين و مريض و عطشان و جائع لأن تلك المحبة الشخصية ليست متوفره له. و أخيراً ، نعرف بانه و بالرغم من ضيق أفق كينونتنا، قد أقيم كل منا مسؤولا عن بقعة صغيرة من ملكوت الله بواسطة محبة المسيح. فاذا قبلنا او لم نقبل المسؤولية، اذا أحببنا أو لم نحب، سنحاكم. " إن كل ما تفعلوه بأحد أخوتي ، فبي تفعلوه ..." آمين المترووبوليت بولس صليبا |